تكرارات تائهة

كتبه كتب في 27 نوفمبر 2013 - 12:28 ص

youness_tir

يونس طير/ المغرب

 

“إني أشتاق إلى الكائنات البشرية وأبحث عنهم, ولكنني دائما أجد نفسي فقط, مع أنني لم أشتاق إلى نفسي. لم يعد يأتي أحد إلي, ولقد ذهبت إليهم جميعا ولم أجد أحدا”
نيتشه

التيه الذي يشعر به ،والذي يكاد يرافقه طيلة قفزات الحياتية المذيلة بالسخف .هذا التيه الممسك بتلابيب القلق من فجائية الانسحاب ،لا يعبر في خاتمته البنيوية الا عن تفاصيل فانية، صعبة المراس وغير قابلة للقبض ،انه شيئ من قبيل الريح او الروح . اهمية هذا التيه تكمن لا محالة في انه يدرك من خلاله عبثية العمر والاسترزاق من تكرارات الزفير والشهيق المملة ،الا في عدها العكسي لما تصبح للحركات الموحية بالوجود هاته قيمة لا تقارن بقيمة اخرى ،اللهم وهم مابعد الاستراحة ،او وهم اللحظة الفاصلة بين الموجود والممكن الوجود ،هذا الذي قد يخون في اية لحظة فلا يوجد..وتذهب جهودنا وطقوسنا الارضية وكل التعاويذ سدى..

هكذا قضى على آخر نفس نيكوتي ومارس عذاباته اليومية ،ومنطق البغج،لذلك بدا كمن يسترد انفاسه الملتهبة كجمرة قادمة لتوها من معترك عقاب الاهي .سرح بخياله قليلا قبل ان يبارك شعره الكثيف المتمرد على جديد التقليعات:آن الاوان لحماية بقايا السجائر ،ولما لا تأسيس منظمة حقوقية لحمايتها من جحيم البغج ؟

وبصوت مسموع ليوهم بشفافية لا تناقش :

ومابين العمر والعمر ترقص غانية برفقة غانية رقصة النفاق او قل ماتبقى من النفاق…

وبأعلى صوته الشبيه بآخر نكسات ممثل فاشل :

يشحذن سيوف الطمث لا غير ..او هكذا يقول قائل خارج المتاهة ..

المدينة تكاد تنتهي من أمسية عقابية، دعى اليها طيف يملك كل شيء ولا يمتلك شيئا ،بزي ابيض تارة ملوحا بشارة نصر لم يأتي مذ تقمص لعنة القطع والضرب والمج والتغني والعويل والغناء والتعذيب وفض البكارات النسائية والرجالية واللكم والرفاه والقضم والرفس وال “لا” وال “نعم”..

يا سادتي المهملون ،يا معشر البقايا :الطيف من عرق حكم مملكة نص روائي بحجم خرافة .الطيف لا يجيد لغة الضاء ولا سمفونيات الأضرحة ولا يقتني أزياء الصحراء، طيفنا لم يحلم بعالم ساجد دوما.بل بوطن راقص ..

الوطن يمتطي بين الفينة والاخرى دراجة هوائية ،واليد طويلة جدا تنتهي بمحفظة جلدية منتفخة، تتقيأ بين الحين والآخر وخاصة على موائد المقهى الهادئ دوما، على مقربة من “سبو” العظيم ..الكتاب جلدي بمنتهى الحزن،يكاد يلفظك إلى مملكة البكاء أو هكذا يوهم..الوطن يتزيى بالقطن الأسود والقبعة التي تحلق فوق تبعث خيوطها المتشابكة لتحتضنك .الوطن يشرح صدره الأسود الشارد في متاهات بنفسجة ليخرج علبة السجائر..الوطن لا يلوث الهواء..انه ينفث أملا .

الوطن يغني قبل النوم ويسكب ساديته في حوض الحمام لينعم بدفء الإنسان،يتقيأ أحيانا أحلاما عن باريس وساحاتها السماوية، للوطن صديقة بشعر ازرق تعاشره كل ليلة كي لا تسرقه الإناث من الملائكة.

صديقة الوطن ذات الشعر الأزرق ،تؤمن بكل الآلهة والقديسين ،تشرب نبيذا وتصلي ،تتأفف وهي تتنقل كفراشة وعت انقراضها الوشيك بين الكنائس والمساجد ومتاهات الله..هذا الله الذي يوجد في كل مكان دون أن يطرق الباب أو يحني ظهره وهو قابض على جدار قبعته التي أتخيلها كسحابة قطنية ..انه لا يكلف نفسه عناء كهذا..يا ذاك كم انت فظ ..

يا سادتي المهملون ،يا معشر البقايا : انظروا،افتحوا ماتبقى لكم من أعين ..انه الوطن قادم من العمل ويحملق بعيدا ،يبكي بغصة …تحول الوطن الى انسان ،استنشق جرعة انسانية ..فبكى كثيرا كبطل في رواية ..

صديقة الوطن تحولت الى تمثال سرقته الكنيسة ،الوطن الان يحمل بقدسية كتابه الجلدي الحزين ويتيه هو الآخر بين الأسطر، التي تنفلت من تناقضات ذاته المتحسرة ،المريدة لسطوة الشجر والمياه والسلام ..كان الوطن بشعر راستا مسافر دوما بلا حقائب ولا تذاكر ..الراستا يرى فيما يرى النائم أن عيسى النبي زنجي اللون. ..وأنا أراني نبيا خانه الوحي بعد أن فقد ساكن السماء ثقته بسعاة البريد..

مشاركة