الرئيسية اخبار الجديد زهير داودي: على هامش الحملة الخليجية ضد المغرب.. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

زهير داودي: على هامش الحملة الخليجية ضد المغرب.. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

كتبه كتب في 2 مايو 2020 - 5:37 م

 

 

 

 

الجديد نيوز

زهير داودي

وحدها الأشجار المثمرة من تُلْقَى بالأحجار، ووحدهم المحسنون من يَعْفُونَ ويتجاوزون، وَلاَ يَلْقُونَ بالاً للإتهامات المغرضة لجهات حاقدة وحاسدة، بل إن ذوي الهامات والقامات الكبيرة يرددون مع الشاعر المتنبي:

وَإِِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِن ناقِصٍ // فَهِيَ الشَهادَةُ لِي بِأَنِّي كَامِلُ

كذلك يستحضرون هذا المعنى الكبير:

إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ // وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا

مناسبة هذه المقدمة ما لوحظ منذ مدة، وليس فقط مؤخراً، من حملة ممنهجة ومنظمة بأبواق متنوعة ومدفوعة طبعاً، هدفها محاولة تشويه سمعة المغرب والنيل من مكانته: ملكاً وشعباً وتاريخاً.

في مقالنا هذا لن نلجأ إلى قاموس اللغة المبتذلة المستعملة من طرف البعض لمهاجمة هذا أو التشكيك في ذاك، بل هدفنا بسط بعض الملاحظات التي من شأنها، وهذا رجاؤنا، أن تكون تَذْكِرَةً لمن يتذكر، وأن نكون موضوعيين بعيدين عن الحَمِيَّةِ مع أننا لا نُخْفِي أننا نَغْلِي من شدة الغضب مما نسمع ونرى من إفتراءات وأكاذيب ومزايدات دنيئة من أمثال ذلك الذي يقال إنه “إعلامي” سعودي ينتقد أهمية قطاع السياحة في بنية الإقتصاد المغربي، ويسخر من التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج في استغناء، حسب زعمه، عن الصناعة.

هذا “الخبير الإقتصادي” أبان عن جهل ما بعده جهل، فالصناعة لا تعني إنتاج السلع وبعض الآلات وحسب، بل تعني تلك الهندسة وذلك النظام العلمي الذي يقود إلى تطوير قطاعٍ مَا، فالسينما صناعة، والسياحة صناعة، والفلاحة صناعة، والخدمات صناعة… وحتى “هيئة الترفيه السعودية” صناعة يا أيها “الخبير”؛ فالصناعة هي كل عملٍ أُتْقِنَ تنفيذه، كما يقول الله تعالى في حق أقوى البشر عاد: “وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ”، (الآية 129، سورة الشعراء).

أما بخصوص هجرة المغاربة إلى الخارج، فنقول لذات “الخبير” إن ربنا يقول في محكم كتابه: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا…”، (الآية 13، سورة الحجرات)، والمغرب يتشرف أنه يبعث بخيرة أبنائه كسفراء إلى دول المهجر في القارات الخمس، فبسواعد الرعيل الأول بنيت أوروبا وصناعتها المدمرة بفعل الحرب العالمية الثانية، وَبِعُقُولِ وَبِهِمَمِ من تبعه من المهندسين والأطباء والباحثين… لا زال العالم يستفيد من فئةٍ بارةٍ لم تتنكر لا لأصلها ولا لوطنها ولا لملكها، فئة لا تزال تساهم في إقتصاد المغرب، وتبعث لعائلاتها ما تحتاج من موارد مالية لمواجهة تكاليف الحياة. وإذا سنحت لها الفرصة لتعود، فإنها لا تتوانى عن تقديم خبرتها العلمية وتجربتها المهنية والمساهمة في الإستثمار المنتج لفرص الشغل.

نكتفي بهذا “النموذج السعودي”، لأن منطق “وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” يمنعنا من تعداد كل “الأزبال” التي يحوم حولها الذباب الإلكتروني، ومنها برنامج يدعو للسخرية يُبَثُّ على قناة تلفزيونية تونسية مَعْرُوفَةٌ مَصَادِرُ تَمْوِيلِهَا، يحاول معده من خلال (كاميرا خفية؟!) أن يمس بمشاعر المغاربة بِهَزْلٍ سَمِجٍ لا يصلح حتى أن يأخذ قالب فكرة، فما بالك أن يُضْحِكَ أو أن يَطْرُدَ الملل عن المشاهدين (لا أنصحكم بمشاهدته حتى لا تزداد نسبة الحموضة عندكم في هذه الأيام المباركة).

– صلب الموضوع: لماذا هذه الحملة وفي هذا التوقيت بالذات؟

لعل الإجابة عن السؤال قد يصل إليها أي متتبع موضوعي للسياسة المغربية الخارجية منها والداخلية. فعلى المستوى الداخلي، يعلم الجميع بالطفرة التي حققها المغرب على كافة المستويات حيث وصل في نضجه إلى مستوى عالٍ في التعامل مع المشاكل الصعبة والأزمات الكبيرة، ونكتفي هنا بذكر طريقة معالجته الحازمة لجائحة (كوفيد – 19)  التي أشاد بها القاصي والداني.

أما على المستوى الخارجي، فالجميع يَعِي اليوم أن المملكة المغربية تمارس سيادتها كدولة قوية بحكمة وتبصر قائد كفء، شجاع وإنسان وضع مصلحة المغرب والمغاربة قبل أي شيء آخر، وفوق كل اعتبار.. ولو تعلق الأمر بصداقات أو بعلاقات عائلية استغلتها، وللأسف، الأطراف الأخرى وحاولت أن تتمادى حتى أنها سَعَت أن تجعل من المغرب مُجَرَدَ تَابِعٍ في مغامراتها في أكثر من رقعة مغاربية وعربية وإقليمية ودولية، وهي مغامرات غير محسوبة العواقب كما تؤكد ذلك النتائج على الأرض.

إن جلالة الملك محمد السادس، مُهَنْدِسُ وَمُدَبِّرُ السياسة الخارجية للمغرب، حَسَمَ الأمر منذ توليه العرش، وجعل سياسة التعاون “جنوب – جنوب” بمنطق “رابح – رابح” شعاراً لمرحلته بكل ما تحمله هذه السياسة من معنى إستراتيجي. لكن يبدو أن البعض لا يستسيغ مثل هذه النظرة الخلاقة في العلاقات الدولية، وما يمكن أن تُحَقِّقَهُ من منافع لكل المنخرطين فيها بحسن نية وبأفق مشترك.

صحيح أنه قد تكون هناك مؤاخذات على بعض المسؤولين المغاربة الذين لم يرقوا إلى مستوى المهام المنوطة بهم، لكن ذلك ليس مبرراً لضرب أخوة متجذرة في التاريخ عرض الحائط، ولا بِمُصَوِّغٍ لتعطيل شراكة إستراتيجية بنيت على أسس متينة لكنها، وبفعل فاعل أراد أن يحصل على الجمل بما حمل، كادت تتلاشى وتصبح في خبر كان.

نحن لا نرمي الإتهامات جزافاً، وإلا ما تفسير سكوت بعض قادة الدول الشقيقة التي يتبارى بعض مواطنيها في نشر الإشاعات والتلفيقات والأخبار الزائفة عن الوضع الإقتصادي والإجتماعي في المغرب والمزايدة بمختلف الإساءات المتعمدة، وكأن لسان حال هؤلاء القادة يقول ما قاله أبو سفيان بعد معركة أُحُد: “لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي”.

– ضرورة المصارحة والمكاشفة.. ويد المغرب دائما ممدودة

من المحقق أن في هذه الدول الخليجية، وفي بعض الدول الصديقة المشتركة، ما يكفي من عقلاء وحكماء لتبديد هذه الغَمَامَة التي تُلَبِّدُ كبد سماء العلاقات بين المغرب وبعض دول الخليج الشقيقة، وإن كانت يد المغرب دائما ممدودة، ويحل بالعواصم الخليجية مبعوثون خاصون لجلالة الملك والذي يقوم، هو أيضاً وشخصياً، بالإتصال بملوكهم وبأمرائهم.

وهذا قطعاً ليس عن ضعف، ولكن وعياً وإدراكاً بأهمية الرهان الحقيقي على تكامل وتآزر ودعم سَيَجْنِي الجميع ثمارهم، وسيكون للتحالف العربي المبني على أسس الأخوة الصادقة والمصالح المشتركة بمعناها الحقيقي (وليس المتبادلة) الأثر العميق في الرقي بالشعوب العربية بدل التحالف الهش مع قوى تمارس كل أشكال البلطجة وبالمكشوف، وتستنزف ثروات هذه البلدان بلا حساب، ولا تتوانى في تعميق الإذلال والإهانة والسخرية والتشفي من أجل طلب وِدِّ فِئَةٍ إنتخابية متطرفة، وكأنها تجسد المثل الإنجليزي الشهير: (To add insult to injury).

نعتقد جازمين أن وحدها المصارحة/المكاشفة، وبحسن نية، هي الضمانة الوحيدة لسد الطريق على كل هؤلاء المتربصين والمخربين لعلاقات الأخوة بين الشعوب، ولكن بشرط أن يكون الحَكَمُ من أَهْلِهِمَا من العقلاء والخبراء والحكماء الذين يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة، وإلا فما جدوى أن يفتري طرف على طرف، وأن يفتح الطرف الآخر بَالُوعَةَ قَاذُورَاتِهِ لِيَقْذِفَ بها إخوته، فَتَنْشَب “داحس والغبراء” الإلكترونية، وتزيد الهوة بين الأشقاء، ويتسع البَوْنُ لا قدر الله، فلا يُصبح لرجوع المياه إلى مجاريها سبيل، ويشمت الصديق قبل العدو، وتتفكك الأمة وتفشل وتذهب ريحها.

إن المغرب اختار سياسة لا رجعة فيها، ولم يثبت يوماً أنه بَاعَ شقيقاً أو صديقاً لتحقيق مآرب خاصة زائلة لا تصمد أمام كل ما هو إستراتيجي على الأمد البعيد، بل دائماً ما كان يضع تجربته الخاصة تحت تصرف إخوانه وأصدقائه، ويساعد بكل ما أوتي من قوة، ولا يبتغي من وراء ذلك إلا رص الصفوف وتحقيق رفاهية الشعوب العربية والإسلامية.

لهذا، ندعو أشقاءنا وأصدقاءنا إلى كلمة سواء بيننا وبينهم، وألا يشتم بعضنا بعضاً، ولا يسخر قوم من قوم، وأن نجعل إتحادنا وتماسكنا وتآزرنا سبيلنا للرقي والتقدم والتنمية، ولا نفسح المجال للذئاب المتدثرة بصوف الحملان كي تدمر علاقاتنا وشراكاتنا، فنصبح على ذلك من النادمين، ونكون كالثور الأسود الذي أُكِلَ يوم أكل الثور الأبيض.

* صحافي وباحث في العلاقات الدولية

zouhirdaoudi756@gmail.com

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك رد