الرئيسية اخبار الجديد أقصوصة.. “الحي الميت” / بقلم غزلان يقوتي/ المغرب

أقصوصة.. “الحي الميت” / بقلم غزلان يقوتي/ المغرب

كتبه كتب في 7 فبراير 2020 - 9:56 م

 

 

 

 

 

 

الجديد نيوز / بقلم : غزلان يقوتي / المغرب

وقف للمرة الثالثة أمام مرآة غرفته يسائل الشخص الذي يراه أمامه من يكون. لم يتلق الجواب المنتظر، بل رأى الشخص يردد نفس السؤال.
– أجب أيها البائس من أنت ؟

بالفعل، ذاك الشخص الذي يراه هو شخص بائس، وجهه شاحب و مكتئب، أثقل الدهر كاهله فأمحى ملامحه ،عينان غائرتان على جنباتهما بقايا أشفار و شعيرات الحواجب البيضاء منثورة و شيب منفوش و لباس نوم مهترئ. جال بين أربعة جدران يفكر لن يهدأ باله حتى يعرف من معه في الغرفة. ثم يعود أمام المرآة ليرى نفس الشخص بنفس هيئته. إنه هو بالذات. لم يعرف نفسه أو بالأحرى نسي هويته.

 

لقد نال منه مرض العصر، الزهايمر، و هو الآن في مرحلة متقدمة من المرض. رجل سبعيني، لفه أخطبوط المرض رويدا رويدا إلى أن أصبح مقيدا في غرفته. لا يزاول أي نشاط يومي. نخره النسيان و أضحى يجهل عائلته و محيطه. رغم العلاجات و العناية العائلية، إلا أن الطبيب أكد أن الأمل في الشفاء هو بمثابة معجزة لا محالة. خانه الزمن، فترك الحاضر وراءه و سافر إلى عالم ولى ليعيش حاضره في ماضيه، فهو تارة يلهو كالطفل في سن الرابعة و تارة يراجع دروسه و كأنه طالبا جامعيا و تارة يسترجع أحداثا مضت عليها أكثر من عشرين سنة و من ثم أصبح خارجا عن حاضره لا يعرف زوجته و لا أولاده و ها هو الآن لا يعرف حتى ذاته.
هو الحي الميت، جرده الزهايمر من كل شيء.

 

عاد إلى المرآة ليكتشف أن نفسه مازالت واقفة هناك. يتأمل، يراقب، يتقدم، يتراجع، يلمس شعره الأشعث، يكشر عن أنيابه.
-من أنت؟ أتسمعني لم أرك من قبل؟ أتعرفني؟…
خيم الصمت لحظات و فجأة صرخ عاليا و انتابته حالة هستيرية.

 .- ابتعد عني ماذا تريد؟ ابتعد
دخلت زوجته وولداه الغرفة مسرعين يهدئون روعته، وجدوه مختبئا تحت فراشه مكوما مرتعشا.
– أبعدوه عني،سيقتلني
– اهدأ. من؟ ليس هناك أحد في الغرفة
– لا هناك… هناك
و أشار بأصبعه إلى المرآة…


ما إن رأى زوجته تمد له يدها للنهوض إلا و صرخ ثانية قائلا ابنتي فاطمة.
– لا. أنا زوجتك حسناء… ليست هنا فاطمة بيننا. أنا زوجتك و هذان ولداك حسن و أحمد
– بلى أنت ابنتي فاطمة… ابنتي تعالي…اشتقت إليك وكيف حال الحاج محمود ؟

 

ذعر الكل من سماع اسم الحاج محمود، هو الراحل صديق طفولته الذي توفي منذ أزيد من خمسة عشرة سنة. نظر بعضهم البعض… مذعورين و مذهولين كيف ؟؟؟
ومن ثم ستبدأ رحلة البحث عن الابنة المجهولة المدعوة فاطمة…