الرئيسية اخبار الجديد أهل الصحراء أدرى بمشاكلها / محمد علي أنور الرﮔيبي

أهل الصحراء أدرى بمشاكلها / محمد علي أنور الرﮔيبي

كتبه كتب في 29 يونيو 2019 - 9:14 م

 

 

 

 

[arabic-font]محمد علي أنور الرﮔيبي

 

الجديد نيوز

الأيام دول، وتداول الأيام خاصية من خاصيات التاريخ، والتذكير بالتاريخ لا ينبغي أن ينزعج منه أحد. قال الله تعالى:             (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) صدق الله العظيم. وعلى منوال ما جاء في المثل المشهور “أهل مكة أدرى بشعابها” سنقول نحن الآن “أهل الصحراء أدرى بمشاكلها”.

إن مفاتيح وحل مشكل الصحراء أو القضية الوطنية كما يراد تسميتها لم ولن تكن إلا في أيدي أبنائها ومن داخل الصحراء نفسها. أما مبدعي الحلول (وما اكثرها) في غالبيتهم العظمى ليسوا سوى أصحاب منافع وأطماع، يستنسخ بعضهم البعض، ويخلفون ويستخلفون لبسط هيمنتهم وسلطتهم تحت دثار العديد من اليافطات. 

اهل الصحراء كانوا دائما وابدا نسيجا منسجما كاملا متكاملا بقبائله وجدوره وأعراشه، شرفاء ونبلاء وأعيان، منهم الأغنياء ومنهم الفقراء. كانت دائما تجمعهم آصرة العقيدة والدين ولحمة الصحراء والبيظان ووحدة العشيرة والقبيلة. وكانوا ولا زالوا متمسكين برباط الاخوة والعمومة والدم والقرابة والصهر والنسب، ولهم في ذلك مرجعية قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

وأؤكد على كلمة “أهل” لتسمية الأسماء بمسمياتها، ولا أقول شعب الصحراء لتفادي المغالطات المراد بها زرع نعرة التفرقة؛ لأن أهل الصحراء هم جزء من هذا الوطن وأبناء هذا الوطن. وكذلك الصحراء هي جزء من تراب هذا الوطن وربوعه، وبها تكتمل وحدة المغرب الترابية الوطنية.             (فلا الصحراء صحراء بدون المغرب ولا المغرب مغرب بدون صحراء).

وانتماء الصحراء الى الوطن الام أمر محسوم فيه تاريخا وشرعا وقانونا.  وإن الأيادي المدسوسة والخفية التي تدبر لعبة الشطرنج من داخل المغرب وخارجه لأيادي عميلة تجيد السباحة والصيد في المستنقعات لتعكير صفاء ومناخ البيئة السياسية والاستقرار الأمني في هذا البلد المحصن بشعب مؤمن بالوحدة الوطنية والترابية. وقضية الصحراء بالنسبة لهؤلاء العملاء بقرة حلوب ومصدر استرزاق، وطي ملفها هو بالنسبة لهم اغلاق أبواب النهب ومنافد الإثراء.

تنفرد الأقاليم الجنوبية بأسماء وازنة تصنف في لائحة أقطاب الصحراء المغربية التي تتحكم فيها وتأثر بشكل خاص وقوي في الحكم والأهواء والتغيير والتقلبات السياسية التي تخص بها الأقاليم الجنوبية. إنها أقطاب جمعت بين الثروة والسلطة والنفود. وفي قراءتنا لتاريخ الشعوب تأكيد وعبرة على تداول الأيام والأزمنة وأن لكل زمن رجاله. فبقوتهم وتدبيرهم المحكم والمدروس يسيرون على الخط والنهج الذي يرون فيه استمرارية وجودهم وثبات كيانهم، وكأنهم يصنعون التاريخ.

وتاريخ الصحراء الغربية (المغربية) نسج بمواقف رجال أقوياء حكموا وسادوا وناضلوا واستشهدوا في سبيل قضية لم تتغير مقاصدها رغم اختلاف الرأي والرؤى، هدفها وحدة الوطن والسيادة على أرض تضم كل أبناء الوطن. ولنا في تاريخ المقاومة الصحراوية ضد الاستعمار الاسباني معين لا ينضب.

ونظرا لأهمية المنطقة إقليميا وقاريا ودوليا، جعل قضية الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة بوليساريو من أعقد الصراعات الأفريقية المستعصية على الحلول التوافقية ثنائيا وإقليميا ودوليا. كما جاء هذا في تصريح للسيد جيمس بيكر الذي عينه الأمين العام السابق كوفي عنان عام 1997 ممثلا له خاصا بقضية الصحراء الغربية، حيث قدم خطة تسوية للنزاع أقرها مجلس الأمن الدولي بقراره رقم 1429 الصادر في 30 يوليوز 2002. وهي الخطة التي باءت بالفشل واستقال عام 2004 من منصبه.

ولولا تكالب الجارتين الجزائر وليبيا، ومخطط المناورة والطريقة المطبوخة التي دبر بها ملف نزاع الصحراء من طرف حرس قديم جعل من الحديث عن الصحراء خطا أحمرا (ومن الطابوهات)، لكان بالإمكان أن يساهم الشباب في حل النزاع وهو ما لن يحصل البتة إلا بترسيخ البناء الديمقراطي بالمغرب، وكذا تحقيق حلم الشعوب المغاربية.

وللمساهمة في مسار التاريخ وتصحيح الأخطاء الديبلوماسية التي ارتكبت أثناء إدارة النزاع، فقد أصبح من الضروري إعادة النظر في طريقة تدبير مشكل الصحراء برؤية مختلفة عن الماضي؛ وذلك بأن لا يبقى حكرا على مستشاري المؤسسة الملكية ووزارة الداخلية والمؤسسات والاطر المصنفون في إطار “المكلفون بمهمة”، لأن المكلف بمهمة لا ينفذ الا ما كلف بتدبيره دون اجتهاد او احساس بمسؤولية سياسية او اجتماعية ويكتفي بالقيام فقط بحد أدني من الواجب الاداري.

وهو الأمر الذي كان له أثره فيما مضى نتيجة الإخفاق والفشل الذي اتسمت به مهام “المكلفون بمهمة” لعدم إلمامهم بخصوصية ملف الصحراء وما يضم بين صفحاته من مستندات قانونية ووثائق تاريخية، وعدم معرفتهم لآليات الدفاع والحوار وعدم تكوينهم الثقافي والسياسي، واعتمادهم على الخطاب الاستعراضي والفلكلوري، ناهيك عن مهازلهم الديبلوماسية والتي أساءت لصورة المغرب داخليا وخارجيا.

لقد احتكر ملف الصراء لعقود بديماغوجية المخزن، مع أن إثبات مغربية الصحراء لا تحتاج لبهرجة موازين ولا شكيرة ولا للشاب خالد، ولا سعيدة شرف، ولا فولكلور الشيخات وأهازيج “الطعارج” و”البنادر”، ولا تسخير الشيوخ والمقدين في تظاهرات التذكير بالمسيرة وقسم المسيرة ولا للشعارات المناوئة للجزائر وبوليزاريو، بقدر ما يجب ضرورة تثبيت وإرساء تواثب الديموقراطية والحرية والكرامة والسلم والأمن الاجتماعي داخل الصحراء وبالأقاليم الجنوبية والقضاء على لوبيات الاقطاع والفساد بالمنطقة.

لذا بات من الضروري اليوم، أن يفتح أصحاب القرار “الصندوق الأسود الخاص بملف الصحراء”، وتكليف إطارات تمتلك الكفاءة والروح الوطنية وروح المبادرة، ويجب أن لا تحجب عنها المعطيات والمعلومات الضرورية، لأن “قضية الصحراء مغلفة بآليات المناورات ابطالها من داخل المغرب وخارجه. كما أن جيوب المقاومة داخل البنية العميقة للمخزن لها يد في التضييق على الكفاءات الصحراوية الوطنية الغيورة على وحدة البلاد. ومن يعيش خارج الأقاليم الجنوبية للمغرب يصعب عليه أن يعي الأحداث والأفكار وما يدبر في محيط “أهل الحل والعقد” ممن يعرفون بحكام الصحراء.

كما أن الأحزاب السياسية؛ قادة ومسؤولين وبرلمانيين ومنتخبين لا تهمهم قضية الصحراء بقدر ما يهمهم الاستفادة من الريع والسلطة. كما أن عدمية خطاباتهم لم تسعفهم القيام بالدور المنوط بهام في تأطير المواطنين وخاصة فئة الشباب التي تعيش اليأس والإحباط والتي تركت لقمة صائغة للوبيات الفساد المسيطرة على المشهد السياسي في المنطقة.

لقد ظلت قضية الصحراء محتكرة من طرف السلطة والنظام. وكانت الشماعة الجاهزة لحكومات متعاقبة مكونة أساسا من الذين ألفوا النفاق واستغلال الشعب، فكان كلما لاحت في الأفق مؤشرات لانتفاضات شعبية تطالب باصطلاحات اجتماعية واقتصادية وحقوقية إلا وأخرج ذوو النفوذ ورقة الصحراء ولوحوا بأولوية القضية الوطنية عن كل استحقاقات او مطالب شعبية.

و في ظل الأزمة ومعانات الشعب نبتت رؤوس الخونة والانتهازيين ومن كانت مصالحهم ومقاصدهم فوق مصلحة الوطن وجعلوا من الوطن مصدر استرزاق، فامتهنوا الابتزاز وتاجروا بالقضية الوطنية وعاشوا وسط الشعب بوجه ذو قناعين (قناع الوطني الغيور وقناع الخائن المتلبس) مراهنين على استمراريتهم ووجودهم وتواجدهم بلعب أوراق الوطنية وأوراق الخيانة معا في لعبة سياسية قذرة، وسبحوا في الضفتين ضفة الوطن وضفة العاق والمنشق عنه، ملتمسين دائما بر النجاة من كلا الضفتين بتكريس روح النعرة القبلية والمحاصصة العشائرية التي بقيت سائدة. فأهينت “روح المواطنية” التي كان يجب ان ُيـتعامل بفحواها مع كل إنسان بهذه الربوع.

لم يستفد المغرب من عودة القياديين البارزين والوازنين في (البوليزاريو) تحت غطاء          (إن الوطن غفور رحيم) بحيث كان من المفروض استثمارهم في إمكانيات خلق آليات للتوعية والتأطير في أوساط الساكنة، وتنظيم أنفسهم والتحرك في الصحراء بخلق نسخة من تنظيم (البوليزاريو) موالي للمغرب، ويدعون من تركوا ورائهم من إخوانه وأبناء عمومتهم بتندوف للالتحاق بهم وتلبية مشروع نداء الوحدة، وتذويب الضغائن والاحقاد وحساسية الانتماءات القبلية لتذوب عبره قضية الصحراء بشكل ناعم. 

فكان إدماجهم في وزارة الداخلية مظلة استظلوا بها وتحولوا فجأة من قادة لما يسمى بالمرتزقة الى أعضاء مسؤولين بارزين في الدولة (ولاة وسفراء)، فاستفادوا من الحصانة والسلطة والنفود والريع. وحوصرت الكفاءات الصحراوية الوطنية والغيورة على وطنها واقصيت من مراكز القرار في الحقل السياسي والديبلوماسي واستبعدت فضاعت القضية.

لذا فللإنصاف يجب محاسبة كل من احتكر تدبير ملف الصحراء وهذا غير خاف على أحد. وما بعض الأحداث التي تثيرها المجموعات المناوئة لقضية الصحراء والمناوئة لمشروع الحكم الذاتي، والتي تشهدها من حين لآخر الأقاليم الجنوبية، ما هي الا صورمن آليات التحريض تستعمل وتستغل من طرف من ليس لهم مصلحة في حل قضية الصحراء بتعاون مع أجندة خارجية ومؤسسات حقوقية دولية، لتتحول الأحداث بطرق محبوكة ومدروسة الى مشكل إنساني وحقوقي. الشيء الذي يجعل المغرب في موضوع السؤال والمسائلة.

وفي الختام، وعطفا على ما سبق ذكره من أنواع وأشكال أهل الصحراء الذين أفرزهم سوء تدبير القضية، حضرني هنا حوار كان قد دار بين زعيمين بارزين. حين سأل القذافي الحسن الثاني رحمه الله قائلا: ألا تخشى الاستفتاء؟ فأجابه الحسن الثاني: أنا لا أخشى شيئا. وعاد القذافي ليسأله مرة ثانية: لو أن الصحراويين قالوا إنهم ليسوا مغاربة ماذا سيكون الوضع؟ فرد عليه الحسن الثاني بالقول: إذا قالوا إننا لسنا مغاربة فما عليهم إلا أن يرحلوا سواء إلى موريتانيا أو إلى الجزائر أو لأي اتجاه آخر، فأنا لا أقبل أن يوجد فوق أرضي من لا يعترفون بمغربيته.

*محمد علي أنور الرﮔيبي :

Email :anouar.rougaibi@gmail.com

[/arabic-font]

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك رد