الرئيسية اخبار الجديد عندما يتحول الرعب إلى إبداع

عندما يتحول الرعب إلى إبداع

كتبه كتب في 12 يونيو 2019 - 8:08 م

الجديد نيوز – الاستادة : امينة مجدوب

تقاس ذاكرة الشعوب بمدى تقديسها لثقافتها ،وتقيَم تواريخ الأمم بمستوى تشبثها  بماضيها .من هنا نلاحظ كيف تتسابق اليوم كل الدول المتحضرة على محاولة الغوص في ماضيها ،واستخلاص الدروس والعبر مما عاشته أجيالها السابقة  سواء صفحات إيجابية أو سلبية؛وتحول المحنة والألم إلى حياة وأمل . ومن هذه الدول ألمانيا  التي لا تشعر بالخجل من فترة النازية ،وانشغلت ببناء حياة متطورة  راقية  ،لدرجة لاتسمح  بالغوص في  الماضي البشع. هذا ما لاحظته خلال  زيارتي  لبرلين ضمن وفد مغربي قصد الاطلاع على النظام السجني في ألمانيا ،والاستفادة من تجربتها في هذا المجال . فكيف ذلك ؟

حقوق الإنسان في نظام السجون

تطور مفهوم المؤسسة السجنية  تطورا جذريا على المستوى الدولي  من مفهوم المؤسسة العقابية  إلى  مؤسسة  لقضاء  مدة العقوبة لحماية المجتمع من الجريمة ،ومن جهة أخرى تعمل على إصلاح  وتأهيل السجناء   وإعادة إدماجهم داخل المجتمع ،مع احترام كل حقوقهم الإنسانية  كما هو متعارف عليها  في المنظومة الدولية  لحقوق الإنسان  ؛وخاصة  القواعد الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الأول  لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين ،وقواعد  الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم . وتقوم هده المبادئ على  قاعدتين أساسيتين  :الأولى معاملة جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال  الاحتجاز  أو السجن معاملة إنسانية تحترم فيها كرامة الشخص الإنسانية ،والقاعدة الثانية : تمتيع السجناء والمحتجزين بالحقوق المتعارف عليها في المواثيق الدولية ،والقوانين الوطنية. ونظام السجون بالمغرب يخضع لهذه المعايير الدولية ،ويلتزم بها ؛كذلك  المقتضيات  الدستورية ،وقانون المسطرة الجنائية ،والقانون المتعلق بتنظيم المؤسسات السجنية . وبما أن مؤسسة فريدريش نومان الألمانية للحرية  بالمغرب زارت  العديد من السجون بالمغرب فقد وضعت  مشروع برنامج     للاطلاع  على  نظام السجون  بألمانيا  ،ومقارنته  بنظيره المغربي . شارك في الزيارة وفد مغربي  يتكون من  :أعضاء من مركز حقوق الناس ،وأعضاء من  المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ،ومنسق المرصد الجهوي لللإعلام والتواصل  بجهة فاس مكناس.

اللوحات الالكترونية بالسجن

ألمانيا دولة د يمقراطية منفتحة على العالم،ملتزمة بحقوق الإنسان ،الناس فيها من ثقافات  متعددة ،وديانات مختلفة تجمعهم كرامة الإنسان المنصوص عليها في أول  بند في الدستور الألماني . حقوق السجناء مكفولة  ،و وتحاول ألمانيا إفراغ السجون بتفعيل العقوبات البديلة  ( السوار الالكتروني – الإفراج المشروط ….)ويتمتع النزلاء بخدمات على أعلى مستوى  وفق ما وقفنا عليه ؛مثلا جميع  الخدمات الطبية يستفيد منها السجين مجانا ،بما في ذلك عمليات التجميل ،وداخل كل سجن مستشفى مجهز بأحدث الأجهزة الطبية .أول ما يدخل السجين تجرى له فحوصات  شاملة أولها العلاج النفسي  لمساعدته على  التخلص من التوترات النفسية  ،والمشاعر السلبية  التي تسيطر عليه نتيجة عمليات الضبط والمحاكمة ،والإيداع بالسجن. أما أهم خدمة أثارت انتباهنا  هي  إعادة إدماج  السجين عن طريق الرقمنة ؛الهدف من ذلك توضح  مسؤولة المشروع بوزارة العدل  في برلين هو تحقيق التوازن بين الحياة داخل السجن والحياة العامة  خارج الأسوار.فتم تزويد  السجناء  بألواح إلكترونية تم تدعيمها  حتى لا يمكن اختراقها  من أطراف أخرى ،وموصولة بحاسوب مركزي في الممر بالسجن،ونظموا ورشات  تكوينية للسجناء حول كيفية الاستعمال  الذي يتم داخل السجن فقط؛حيث يستعمل السجين اللوحة الالكترونية في الاتصال بالعائلة –طلبات العمل – التعلم عن بعد – جدول الطعام – المكتبات …لكن لايسمح بالفيسبوك ،الإميل فقط

سجن  ( ساسي )

كما قلت في البداية ألمانيا  لاتخجل من  ماضيها  الأليم ،وحولت مواقع القمع والرعب إلى فضاءات  للإبداع ومعارض للفن الراقي  اخترت منها بعض النماذج التي قمت بزيارتها . من هذه السجون سجن  (ستاسي)  وهو اسم للشرطة السرية في شرق ألمانيا عندما كانت مستقلة عن غرب ألمانيا في الفترة مابين 1949 و1989 .أنشئت  سنة 1950 وهي أكثر الشرطة قمعا اخترقت  كل جوانب  الحياة بألمانيا الشرقية مستخدمة التعذيب ،والمعاملة الحاطة بكرامة الإنسان ،وشبكة هائلة من  المخبرين  لسحق  المعارضة ،وعمل ملايين الألمان لحساب ( ستاسي ) وقدموا تقارير عن أصدقاء ،وأقارب ،وزملاء. وقد سبق  للمستشارة  * أنجيلا مركل * أن زارت سجن ستاسي يوم 11 غشت 2017 قبل أن يتم تحويله إلى متحف يقبل على زيارته العديد من السياح ،والتلاميذ والطلبة .والمرشد الذي صاحبنا  سجين سابق بهذا السجن يروي لنا  تفاصيل الحياة اليومية   المتسمة بانتهاكات حقوق الإنسان  ..يرويها بثقة وابتسامة  لم تفارق وجهه. هذا السجن تحول إلى موقع تذكاري  بحديقة رائعة ساعدت هذا السجين على البوح  بسنوات المعاناة  ولحظات الألم  حولها إلى إبداع  سطره  في كتاب  أضيف إلى مكتبة السجن .

طبوغرافية الرعب ؟؟

رغم مرور سنوات  على انتحار *أدولف هتر*،وانتهاء النازية فإن حياة الزعيم الألماني النازي تمثل مصدر جذب ا لملايين من   السياح لمن يسعون للمزيد من المعلومات عنه ،وسماع صوته في خطاباته المؤثرة ،وتصريحاته النارية ،وصوره المتعددة مع أعوانه ،وفي الاستعراضات ،والخطابات التي قام  أطفال ألمانيا بإرسالها  إلى الزعيم النازي ،وصور المكان الذي أحرقت فيه جثته وزوجته في فناء الموقع المحصن بعد انتحاره في 30 أبريل 1945.. ؛كل هذا وأكثر متوفر في  متحف ( طبوغرافية الرعب ) الذي تسمى به المنطقة  التي  كانت  تتواجد بها أهم مؤسسات نظام الرعب النازي  في الفترة الممتدة بين 1933 و1945 : مركز الشرطة السرية (الغيستابو ) وفرق الحماية لقيادة الرايخ. تم افتتاح هذا  المتحف  في ماي سنة 2010 وأصبح بإمكانه  أن يؤدي وظائفه على أكمل وجه ،ونشر المعرفة التاريخية حول رعب النظام النازي ،والحث على الدراسة الفعالة لهذه الفترة التاريخية وتداعياتها  بعد سنة 1945.

من جدار الفصل إلى جداريات  بألوان الحياة

جدار برلين الذي  بني في جوف الليل في 13 غشت سنة 1961 ليفصل بين برلين الغربية  وألمانيا الشرقية ؛قسم المدينة وقسم الشعب ؛جدار امتد بين شرايين مدينة برلين على مسافة 43 كلم وبه حراس ،وأبراج المراقبة وكلاب …شهدت أطرافه موت 136 مواطنا ألمانيا حاولوا  تجاوزه للحاق بذويهم.صور تزخر بها ذاكرة الجدار  وشاهدة على المآسي الإنسانية التي رسمها بين أفراد  الأسرة الواحدة والبلد الواحد .والصورة المؤثرة هي صورة الجندي الألماني الذي قفز راكضا فوق الأسلاك الشائكة محاولا الهرب….وبالطبع ساعدت التطورات السياسية العالمية على إنجاز التحرر من الجدار ،فتم فتحه في9 نونبر 1989،وقام عشرات الفنانين من  ألمانيا وكل دول العالم برسم جداريات رائعة على بقايا الجدار المحطم. جداريات تقول للعالم  أنه دائما هناك أملا في الحرية ،ولايمكن حماية الإنسان بالاستناد  إلى حاجز الخوف.وتزامنت زيارتنا  مع احتفالات عيد العمال فشهدت  ساحات الجدار  فرحة عدد من الفرق الموسيقية التي تناوبت على  صناعة الجمال  والاحتفاء بالحياة …

السجن الحديقة

حدائق برلين ليست مجرد مساحات خضراء  للاستجمام ؛بل متاحف تعبق  برائحة التاريخ ،لأن برلين لا تريد أن تنسى ماضيها ،فمعسكرات الاعتقال  أصبحت حدائق  ،والسجون أيضا .فحديقة ( موابيت ) تاريخها أكثر سوداوية تقع  في وسط برلين بالقرب من محطة القطارات المركزية ؛مكان هذه الحديقة  كان سجنا ذائع الصيت أيام النازيين بسبب البشاعات التي كانت ترتكب داخله :تعذيب  ،وقتل وجثث مدفونة .وبعد إغلاق السجن إثر هزيمة النازيين قررت بلدية برلين الحفاظ على جدرانه ،وتحويل داخله إلى حديقة تعكس هندسة مبنى السجن ،وفي داخل الحديقة مجسم زنزانة يعكس حجم الزنازين التي كانت في السجن .عندما  يدخل الزائر الزنزانة يسمع  أصوات سلاسل ،وأبواب حديدية تفتح وتغلق ،ثم  صوتا يقرأ أشعارا باللغة الألمانية؛هذه الأشعار كما أوضح المرشد السياحي  كتبها شاعر مشهور  كان من المعتقلين السياسيين أيام النازية. والآن تنظم بهذا الفضاء حفلات موسيقية  ،وأنشطة ثقافية وفنية…هذه الحديقة تزخر بأنواع من الزهور والأشجار  تجعلك تعيش الذكريات الأليمة التي عاشتها برلين ،وحولتها إلى حلاوة الحرية والحياة .لذا سميت  : برلين صاحبة الروح الحرة.

كلمة للتأمل

بعدما زرت برلين ووقفت على مدى تطور حقوق الإنسان في المؤسسات السجنية .وآليات حمايتها،وعاينت المؤسسات السجنية المرعبة –قديما – ومواقع الظلم والقمع التي تحولت إلى  متاحف  ومعارض  ،وحدائق  وفضاءات  للإبداع والأمل  في غد أفضل  تساءلت  :لماذا  في المغرب لا نتصالح مع تاريخنا ،ونقوم بتحويل  معاقل الرعب والبشاعة  التي شهدت  انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان  والمعاملات  الحاطة بكرامة الإنسان (تازمامرت – درب مولاي الشريف – دار المقري –قلعة مكَونة –تمارة ……)  إلى  إبداع :متاحف ..معارض .حدائق  إلى مواقع تذكارية شاهدة على مرحلة  من تاريخنا  .أليس كذلك ؟

                                                         

 

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك رد