الرئيسية اخبار الجديد “الطفولية من الخبايا السيكولوجية”/ غزلان يقوتي

“الطفولية من الخبايا السيكولوجية”/ غزلان يقوتي

كتبه كتب في 19 مايو 2019 - 12:36 ص

 

غزلان يقوتي / المغرب

 

 

تقوقعت. أقفلت باب غرفتي و أسدلت الستارة. أنرت مصباحا في الركن. شعاعه تسلل خافتا خفيا. حين نشر الليل أجنحته و ساد الصمت و كأن ميعاد الإقبار قد هل. لا أكلم أحدا بل لا وجود لأحد في البيت سواي. الأشقياء نيام، استلقيت على فراشي وسط زخم الأشياء المبعثرة كهؤلاء الذين يحلمون أن يلتحفون غطاء نوم الهناء بعد جهاد في معارك حياتية لا متناهية. حدقت في سقف الغرفة كثيرا محاولا أن أغمض جفني و أن أنال نصيبا من النوم كجميع الأشقياء. لكن فكري لم يهدأ مرة. صار يجول يمينا و شمالا باحثا عن ما يشفي غليله من أسئلة و حيرة في حاله. ظننت أني سأقمعه بصمتي و أجعله أن يخمد لحظات معي، لكنه أبى ذلك و زاد سطوته علي. ألزمني أن أستعيد في ذاكرتي أحداث اليوم و أن أناقشه في أخطاء غيري و في ما وجب فعله. ذكرني بالخذلان و أرغمني أن أفك معه خيوط العقبات المتشابكة. حاولت الهروب من كل الأفكار السوداوية المعروضة أمامي .ظننت أن هذا الفكر المجحف في حق نفسي سيشفق على جسدي المنهك من ساعات انتظار “غودو” نهارا, لكن دون جدوى…

 

كانت الساعة الثانية عشرة ليلا. لا زال المصباح ينير بضوئه العليل و كأنه يستنجد من سطوة هذا الفكر الذي حرمنا من لذة الراحة، انقلبت على جانبي، طفل صغير نائم بقربي على فراشي يرقبني و يبتسم. نظرته البريئة لي أثلجت صدري و داعبت عاطفتي حتى أني نسيت أن أسأل فكري من أين بعث هذا الطفل ؟! لم يكن طفلا عاديا، بل إنه كان يتأملني بعشق دافئ. قسمات وجهه تملأن سلاما و أملا.

 

هو فقط ينظر إلي من دون أن يحرك ساكنا. سكت فكري عن ما كان يخوض في قوله من شخبطات قاتلة و راح يرقب بدوره هذا الطفل الصغير. من هذا البرعم؟ و ماذا يريد؟ مرت بضع دقائق ترقب في صمت. ابتسمت لهذا الطفل الذي أنقذني من شر الفكر. مد يده ليواسي نفسي على ما هي عليه. أنامله الصغيرة اللائي تجهلن معنى الجريمة. ربما مد يده ليخرجني من ظلمي، و أن يسافر بي بعيدا.لامسته بدوري عله يكون ملجئي الصادق. فلامست يده الناعمة فعلا. فرح المصباح و أطفأ نوره و بقيت أنا و الطفل في ظلام الغرفة المضيئة بنور وجهه الجميل. كله أمل في الحياة، و من ثم أخذني على بساط من خيال مشع بالمثل و الفضيلة. كان من اللازم أن أشد الرحال و أن أترك الجروح و الآلام ورائي. لم يكن لدي خيار سوى أن أتجرد من واقعي. لم أعد أتحمل أية طعنة تنخر جسدي الضعيف.

 

طار بي إلى مكان يشبه بحديقة. فضاء واسع به ألوان مختلفة و نباتات و ورود مزهرة. أشجار شامخة و أرض خصبة. مكان خال لا يوجد فيه أحد أو بالأحرى لا مكان للشر. بهجت بالمكان و أدرت وجهي نحوه لأشكره فلم أجده بقربي. بحتث عيناي عنه وسط زركشة الألوان فوجدته هناك عند النبتة الحمراء يلعب و يلهو و يضحك. ناديته و لم يسمعني…ابتسمت و قلت يا نفسي كوني حمقاء و لم مرة واحدة العبي و استمتعي .كم تمنيت أن أعيش في خيال مثالي دائم. استحضرت ذكريات الطفولة و تذكرت عمر البراءة و اللامسؤولية، تلك المرحلة المليئة بالسعادة الحقيقية و باللعب و بالضحك. لحظات نعيشها بمعنى الحب الحقيقي.

 

ما أحوج كل إنسان إليها. تلك الطفولة التي ما هي سوى روح دفينة مع الكبر. فهي إخلاء من جو المسؤوليات و من كل هم أو تعب.تذكرت اللعب مع الأطفال و شقاوتهم و تذكرت حب والداي و خوفهما علي و حرصهما على تربيتي و تذكرت شغب الأصدقاء في المدرسة …أنداك كانت هناك تصور لحياة بسيطة نرسمها كيفما نريد و نحلم بالطريقة التي نريد.و كلما تكبر معنا آمالنا ،تكبر همومنا،قد نفقد جزءا منها و نضيع الجزء الآخر في دوامة الحياة.فنصبح عراة من البراءة و من المبادئ و نتجرد من أحلام مشرقة،تلك الحياة التي تبعدنا عن تحقيق أولى خطوات أحلامنا فنحاول الصمود أكثر فأكثر.

غفوت في ساعة صفا، و لم أتذكر شيء بعد ذلك سوى صوت المنبه صباحا، حينها سقطت أرضا أحيي واقعي المرير.
فما أحوج الإنسان إلى عمليات سيكولوجية تنسينه تعاسة حياته و لو سويعات ليلا لينعم بنوم جميل…