الرئيسية اخبار الجديد الحرمان بين النعمة والنقمة/ غزلان يقوتي

الحرمان بين النعمة والنقمة/ غزلان يقوتي

كتبه كتب في 19 أبريل 2019 - 11:29 م

 

 

الجديد نيوزغزلان يقوتي

 

دوما ما يرتبط مفهوم الحرمان بالمعنى السلبي و بما ينعكس على الشخص من اضطرابات نفسية. و مما لا شك أن هذا المفهوم هو لصيقا في الذهن بالشعور بالألم و بالاكتئاب و بالحيرة و بالنقص مما قد ينتج عنه سلوك العدوانية حيال ما يعيشه الإنسان لا على المستوى الخارجي فحسب بل أيضا هذا المفهوم له تأثيره الخاص على الدواخل. الحرمان يؤثر بشكل مباشر على نفسية الإنسان الذي يطمح أن يمتلك كل نعم الحياة في قبضته. و بما أن الحياة مليئة بالمصاعب و بالضغوطات, فإن الإنسان يحاول قدر المستطاع أن يسابق الزمن. لكن الزمن في حد ذاته لا يخضع لمشيئة ذاك الكائن فيولد لديه الحزن و الإحباط. فعندما يحرم من شيء تتحول مشاعره إلى مشاعر سلبية فيحسد من لديه هذه النعمة، ويتمنى زوالها عنه، ولربما تجده يكيد له ويؤذيه ليطفئ ناراً تجيش في صدره.

 

الحرمان، بشتى أنواعه منه العاطفي و الاجتماعي و الحسي و الوطني و كما ذكر في مختلف الدراسات و الأبحاث السيكولوجية و الاجتماعية، الحرمان هو عبارة عن عقلية محددة تتحقق وقت عدم تلبية الإنسان حاجته أو انعدامها. و إن صح القول, هي كلمة كبيرة تحمل في طياتها الكثير من المفاهيم تجعل الإنسان يتوقف ويتأمل و يعيد ترتيب نظرته للحياة من زاوية مغايرة.

 

و بعيدا عن كل المصطلحات السيكولوجية و ما يتخللها من تأويلات لردود الأفعال السلبية, فلتكن هناك نظرية معاكسة لهذا المفهوم. و لما لا القول، أن الحرمان من بعض الأشياء في الحياة نعمة من الله عز و جل.  من الصعب على الإنسان أن يدرك هذا المفهوم مهما حاول أن يقنع نفسه بقوة الإيمان. فما حرم الإنسان من شيء إلا لحكمة أراد الله سبحانه و تعالى أن يضع خلقه في منزلة عالية و رفيعة. حب الله لعباده حبا لا يبلغ المنتهى. الإنسان و بقدرته على الاطلاع على مختلف منافذ الحياة, فأن نظرته تتسع كلما زاد تملكه للأشياء و يطمح إلى ما هو أفضل. لكن يشاء الله أن يمنع عنه أشياءا خوفا عليه من الانزلاقات أو لعدم قدرته على تحمل تلك النعمة بأكملها، و لأن طعم الحياة لا تكتمل إلا باللجوء إلى الله و السعي وراء المتمنيات بالدعاء. قد يحرم الإنسان من المال أو من البنون أو من الصحة أو من فراق الأحبة أو من الزواج… كلها نعم تتواجدن بدرجات متفاوتة من شخص لآخر. لكن, إذا لم يمتلك الشخص واحدة منهن فليطمئن قلبه أن هذا الحرمان خيرا من عند الله و ليكن إيمانه قويا و مثبتا على دينه و راض بما قسمه الله له.

 

صحيح, حين يحرم الإنسان فإنه يتألم و يحزن على الشيء المراد نيله و لربما قد ينتفض ضد إرادة الله و يسخط واقعه. يتحول حزنه إلى حقد بداخله و يتخذ سلوكا عدوانيا يؤذي محيطه. المحروم أيضا يتكون لديه صراعا داخليا بين الإيمان و الرضا بالقدر و عقله المنجذب نحو كل ملذات الحياة. و هنا، يأتي الفكر الديني ليعطي الدفعة الإيجابية لهذا المفهوم. و لو أعاد الإنسان ترتيب أفكاره قليلا، فإنه سيقول بعيدا عن أي تحليل نفسي ، أن ليس كل شيء يتمناه قلبه هو نعمة في حياته بل قد يكون عقوبة عند امتلاكه ، كم من زوجة تحلم بإنجاب طفل و تمنحه حنانها، وكم من أم تمتلك ابنا عاقا وغير بارا بها، و كم من فتاة تحلم بالفتى الفارس لتنعم بحياة زوجية ،و كم من شابة تمتلك نعمة الزواج و زوج سكير لئيم يعنفها، و كم من طفل يتيم حرم من حنان الأبوين و كم من طفل يعاني من جحد و ظلم أبويه، و كم من شاب عاطل يحلم بعمل و بدخل قار و كم من رجل هو حبيس عمله و لا يتمتع بحياته. الحرمان نعمة من النعم التي يساء الظنّ بها دائما ،الكل يتألّم من ضررها لكن مع مرور الوقت و بالإيمان و بالصمود يكتشف المحروم أنه يعيش في نعم أخرى و لا يكثرت، ويدرك فيما بعد أن كثرة النعم قد تكون سببا له في تعذيب نفسه و مرارة عيشه و كان الحرمان في المقابل سببا للسلامة و الأمان و راحة البال.

 

لقد أراد الله أن يفرق نعمه بدرجات متفاوتة على عباده. هناك بعض الأشخاص يملكون الكثير من النعم و يتباهون أمام المحرومين و يطغون و كأنهم أدركوا كل شيء. يتمادون في التكبر و يزيد سوء طباعهم، لكن ما يجهلونه، هو أن الله الذي منحهم نعمة ما، هو قادر أن يسلبها منهم في أي زمان و لا يعلمون أن السماء تنقلب أرضا إذا نسوا شكره و لقوله تعالى “ولئن شكرتموني لأزيدنكم”.

 

إن الروح السامية هي التي تؤمن بما يهل عليها القدر. و هذا الرضا لا يظهر إلا بعد قطع أشواط كثيرة من النضج و من الألم و الحيرة في صعوبة امتلاك ما تتمناه. و من هنا، يولد الابتلاء و يولد معه الصبر. فليكن الإنسان قويا أمام الشعور بالحرمان و ليقاوم الشيطان و النفس الأمارة بالسوء. فلا يتسبب إحساسه به في تهييج المشاعر السلبية من غضب و حقد و قطع الأرحام، و يحاول أن يحول كل مشاعره إلى حب و عطاء و الحمد.

 

إن الله يحب خلقه و يضعه في منزلة عالية ويسمو به أعلى الدرجات حين يلتزم خلقه بالإيمان بالحرمان كنعمة خير و ليس كنقمة و يحمده. حب الله لعبده هو حبا لا يوصف فهو أعلم بما يصلح له كقول حديث جامع: ” إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا, وهو يحبه كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب تخافون عليه”.